غير قابل للنسيان

كان قد مل من قناع الأكسجين على وجهه، يعلم أن الأمر قد اقترب والشاشة بجانبه على وشك أن تُعلن عن توقف القلب عن الخفقان، اغمض عينه وبدأت كل الذكريات في زيارة عقله للمرة الأخيرة -ربما-.

رأى طفلا نحيفا يحاول تسلق سور ملعب نادي أياكس أمستردام لمشاهدة تدريبات فريقه المفضل، سور يحجب عنه الرؤية ويفصل بينه وبين حياة طالما أراد أن يكون جزء منها، للحظات شعر أن روحه عادت لتسكن ذلك الصغير الذي كانه وتركت ذلك العجوز الراقد على فراش في مشفى ببرشلونة.

أصوات متشابكة تصل إلى آذان الأشقر الصغير، استطاع بسهولة أن يميز صوت والده يعنفه ويكرر تحذيره اليومي ” هندريك، لاتحاول تسلق هذا السور مجددا، ستعاقب مرة آخرى إن فعلت ” وصوت قلبه يتراقص على وقع خطوات أقدامه نحو بوابة النادي الهولندي، يشعر بالحرية رغم إحكام أمه التي كانت تعمل عاملة نظافة في النادي نفسه قبضتها على يده الصغيرة وأصوات أخرى تهتف باسمه.

رغم الأصوات التي ملأت رأسه والأطياف التي لاتكف عن زيارة عقله إلا أن تسلق السور أصبح أسهل مما كان عليه من قبل، كلما اقترب من الوصول لنهاية السور كلما اقتربت الأصوات أكثر وأكثر.

وعلى العشب الأخضر رأى نفسه يهرول كالمجنون يداعب الكرة للمرة الأولى بعيدًا عن الشارع، ومن الطفل الصغير خرجت نسخ منه في مراحل عمرية أكبر، صورة تشبه كثيرا صورة نظرية التطور، طفل فمراهق فشاب فأسطورة، الطفل ذو العشر سنوات الذي انضم لصغار أياكس تحول إلى مراهق يلعب بقميص الفريق الأول ضد ليفربول ويقود فريقه للفوز على الريدز بنتيجة 5/2 وهو في السابعة عشر من عمره، والمراهق إلى شاب يحقق الدوري الهولندي وكأس ابطال الاندية الأوروبية والدوري الإسباني ويقود منتخب بلاده لنهائي كأس العالم والشاب لأسطورة، فيلسوف اللاعبين والمدربين، أعظم ثوار الكرة وأكثرهم جنونًا، مخترع الكرة الشاملة وواضع حجر أساس لامسيا منجم ذهب برشلونة، صاحب البطولة الأوروبية الأولى للبلوجرانا وكاسر احتكار العاصمة للدوري الإسباني.

قلب الطفل الصغير مازال متشبثًا بالحياة وعقل العجوز الأسطورة لم يعد يهتم، عقل يرى أن لا حيلة للموت معه فإن استطاع أن ينال من جسده وروحه لن يستطيع النيل من تاريخ كتبه على كل جدران ملاعب كرة القدم وفي عقل كل مشجع انبهر بالطائر كرويف كلاعب وبثورته كمدرب وصرامته كإداري وبقدرته كخالق لمجد برشلونة المستمر، ربما انزلقت يد الفتى ولم تعد ممسكة بالسور كما كانت لكنه لم يسقط أبدًا، كرويفكالجميع، يُذكر تاريخهم بعد الرحيل، سئ كان أو جيد سيُذكر لأن التاريخ لاينسى ولايرحم وتاريخ يوهان أكبر من أن يُحكى بحروفٍ، تاريخ كرويف حاضر ومستقبل، فإن لم تكن رأيته يلعب أو يقف على خطٍ أبيض يصنع التاريخ بفريق أحلام كونه ليصنع مجد برشلونة فإنك تراه كل اسبوع وكل ليلة ثلاثاء حين تُعزف موسيقى دوري الأبطال، تراه بعد كل ” تيكي تاكا ” تنفذ في أي بقعة من بقاع الأرض، تراه كلما وطأت أقدام لاعبي برشلونة أرض الملعب وتراه بعد كل إنجاز وكل بطولة يحتفل بها أبناء كتالونيا.

كرويف غير قابل للسقوط، غير قابل للنسيان.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s