مصرع دون خوان – The Truth 2

كان فاسدًا، لا أعتقد أن موته يستحق الذكر والتدوين، هذه هي الحقيقة”.قالها السيد باولو وهو يُنهي شرابه في حانة متواضعة بمدينة بينيفنتو الإيطالية موجهًا حديثه للشاب بيتر طومسون الذي ارتحل من المملكة المُتحدة لإيطاليا باحثًا عن حقيقة مقتل فابيو ساندرو لاعب كُرة القدم الإيطالي.لم يكن طومسون مُهتمًا بحياة لاعبي كُرة القدم على وجه التحديد، بل أن مدونته “The Truth” كانت تُسلط الضوء على الجانب الخفي لحياة مشاهير المُجتمع بوجه عام، إلا أن تدوينته الأخيرة عن اللاعب هيث ماكارثي لاقت نجاحًا ساحقًا وجعلت اهتمامه يتحول بالكامل للاعبي كُرة القدم وقضاياهم الغامضة وجوانب حياتهم التي لا تُعرض على الشاشات.

سفر طومسون إلى إيطاليا جاء بعدما قرأ عن قضية مصرع لاعب كُرة قدم إيطالي يُدعى فابيو ساندرو، ساءت سُمعته بعدما اتُهم بالتلاعب بنتائج المباريات وتورطه في قضايا مراهنات شغلت الرأي العام في إيطاليا لسنوات طويلة، وبالرغم من أن الصحف كانت لا تكف عن ذكر اسمه قبل سنوات وبالتحديد وقت انتشار شائعات تلاعبه بنتائج المُباريات إلا أن خبر مقتله ذُكر على استحياء في سطر مُهمل في أخر صفحات الصُحف وذُكر اسمه مرتين اثنين في قنوات إيطالية.

وصل طومسون إلى الجنوب باحثًا عن حقيقة واقعة مقتل ساندرو والتي تهامست الأصوات حولها مُشيرة إلى أن الرجل قد انتحر بعدما ضاقت به الأحوال وبدأ تحرياته بسؤال السيد باولو الذي كان زميلًا للراحل في الجامعية وجاره في الحي أيضًا، حصل منه على إجابات لم تكلفه سوى ثمن ٣ أكواب جعة ابتاعهم له، وبرغم أن باولو ذاته كان سكيرًا مُفلسًا إلا انه لم يكف عن وصف فابيو بالفاسد.
باولو: نحن أبناء هذه المدينة، وُلدنا في بينيفنتو وارتادنا المدرسة سويًا ثم ارتحلنا إلى نابولي في المرحلة الجامعية ودرسنا في جامعة نابولي فيدريكو الثاني، دخلت كلية الاقتصاد وفابيو ارتاد كلية الآداب والفلسفة لكن لم يُكمل أحدنا الدراسة الجامعية هو وجد ضالته في كُرة القدم رغم ولعه بالأدب خاصًة الإسباني، وأنا أدركت من السنة الأولى أن التعليم لا يلائمني فعدت إلى هنا بينما انضم هو لنادي نابولي، عانق المجد هناك مع مارادونا والبقية لكن إصابته بالرباط الصليبي أعادته إلى بينيفنتو وأخفته من قوائم الفريق كأنه لم يكن.

عاد فابيو إلى مدينته ليتعافى من الإصابة وحاول العودة لكُرة القدم مرة عبر بوابة جنوى ومرة عبر بوابة سامبيدوريا لكن الإصابة حالت بينه وبين المجد مرة أخرى وساءت أحواله المادية فوصلت إليه مافيا المُراهنات ووعدته بكل ما تمناه في مقابل أن يخسر فريقه مباريات بعينها.

لم يجد فابيو بُدًا من التحالف مع شياطين المافيا يُضيع ضربة جزاء تارة، ويرتكب أخرى عن عمد تارة أو يتوانى عن القفز مع المهاجم ليسمح له بالتسجيل.
توصل طومسون في بحثه عن الحقيقة إلى “إينيث” ابنة الراحل فابيو وطلب لقاء فوافقته بعد مرات رفض عديدة، سألها في بداية حديثهم عن اسمها الذي لا يبدو إيطاليًا فأجابته أن هوس والدها بالأدب الإسباني قاده لتسميتها إينيث مثل “دونيا إنيث” إحدى شخصيات الأعمال الإسبانية الخالدة “دون خوان تينوريو” و”ماجن إشبيلية”.

بيتر طومسون: أعتذر عن أي ذكرى سيئة ستتذكرينها بسبب هذا الحوار، لكن سامحيني عليّ أن أسأل، هل سمعت عن الشائعات التي تفيد أن والدك انتحر؟
إينيث: سمعتها، شائعات سخيفة لا تمت للحقيقة بصلة، وأنا أعلم انك هنا من أجل الحقيقة.

بيتر: بالتأكيد، و إن كُنتِ تعلمينها فكُلي آذان صاغية.

إينيث: الحقيقة إن كُل ما يُقال عن والدي صحيح، كان فاسدًا يتلاعب بنتائج المباريات، كان يؤدي عمله بشكل سئ لخدمة آخرين، خان مُعظم زملائه وأنديته من أجل المال، هذه الحقيقة، لكنها ليست كاملة.

بعدما توفيت أمي، مر أبي بظروف نفسية سيئة، ازدادت سوءًا عندما سمعته يومًا ما يتفق على ارتكاب ركلة جزاء مُتعمدة ليفوز الفريق الخصم وشاهدته يستلم شيكًا نظير ذلك.
كُنت صغيرة، لكن كُنت أعلم جيدًا معنى الغش، فواجهته، بكى يومها كطفل صغير وقال: “أتمنى لو أتوقف عن ذلك، لكن لا خروج من تلك المتاهة، ما أن يدخلها المرء إلا وتملكته”.

لم تكن المراهنات لعبة يتسلى بها الأغنياء بل كانت صناعة يا سيد طومسون يعمل بها المئات في كل مدينة، صناعة قذرة لا خروج منها إلا باعتزالك الكُرة أو برصاصة تُنهي تعاقدك معهم؛ المافيا ليست كما تراها في أفلام هوليود وأعضاءها ليسوا فقط هؤلاء الذين يرتدون ملابس رسمية منمقة وقبعات سوداء.

قد يكون جارك، زميلك أو حتى ذلك الشخص الذي تمر عليه دون أن تلحظه، كالعم باولو السكير مثلًا، ذلك الذي يصف أبي ليلًا نهارًا بالفاسد هو أحد أتباعهم وقد يكون هو نفسه من قتل أبي.

أبي شعر بالذنب، بأنه لم يعد بطل ابنته الخارق، نظراتي له كانت قاتلة، لم يحتمل أن تراه ابنته محتالًا، فقرر أن ينسحب من لعبة لا انسحاب فيها، أبي قُتل لأنه رفض الاستمرار في الغش، أقسم لهم انه لن ينطق ببنت شفة عن عملهم، لكنهم فضلوا إلزامه بعهده ذلك على طريقتهم.

عاد طومسون أدراجه إلى إنجلترا وجاءت تدوينته الأخيرة بعنوان “مصرع دون خوان” والتي قص فيها حقيقة مقتل فابيو ساندرو وكتب في ختامها: “نحن نعيش في عالم لا يسمح للمُخطئ بالتوبة، إن صُنفت شيطانًا ستبقى كذلك للأبد، كُل الأشياء سلع تُباع وتُشترى حتى اللعبة التي نصفها بالجميلة ينالون من جمالها يومًا تلو الآخر.

تلك قصة رجل آمن بالتوبة، صدّق في أسطورة دون خوان -الماجن الذي أقدم على كل ذنب مُمكن حتى لم يعد في صحيفته مكانًا لجُرم يرتكبه، لكنه اعترف بذنوبه قبل أن يقضي نحبه فغُفر له وشفعت له النقية دونيا إنيث وصعد إلى السماء بين تبجيل الترانيم السماوية- فأودت رصاصة بحياته وبإيمانه وبتوبته، تلك قصة دون خوان الذي لم تنقذه شفاعة دونيا إنيث”.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s