ممر الموت

انتظرها طويلًا، منذ عام، أو رُبما أكثر، وهو يحلم بالعودة إلى حيث ينتمي، هُناك فقط يشعر أنه على قيد الحياة، يقفز، يُغني ويبكي، يفعل كُل شيء بصدق كامل بعيدًا عن ازدحام الأفكار في رأسه وتراكم المُشكلات من حوله، هناك فقط يشعر أخيرًا أنه يتنفس.

ابتسم ابتسامة كان قد اعتقد أنه فقدها للأبد عندما وقعت عيناه على ملعب المُباراة، “ستاد الدفاع الجوي”، راحت قدماه تُسابق الهواء نفسه ليصل إلى مدخل الملعب، وقف هناك مع الواقفين تحت شمس الشتاء الدافئة ومشهد وحيد يُسيطر على مُخيلته، مشهد يقف فيه في قلب مُدرج اشتاق إليه ومن أمامه العُشب الأخضر يلمع كقمر ليلة التمام.

المشهد المثالي في رأسه تلاشى بمُجرد رؤيته لممر الدخول إلى المُدرجات، ممر طوله لا يتجاوز الـ50 متراً وعرضه لا يتجاوز الـ6 أمتار، رؤية الممر كانت مُخيفة، لا يعلم لماذا شعر بتلك الرعشة عند رؤيته، رعشة كانت قد امتنعت عن زيارة جسده منذ فترة ليست بالبعيدة، تلك التي اعتادت مُصاحبة كابوسه المُعتاد الذي يسقط فيه من طابق عُلوي.

دخل الممر الحديدي على مضض وعلى أمل أن يصل قريبًا إلى مكانه المُفضل.

تلاشى الدفء من حوله وحُجبت الشمس بظل غُراب أسود يُحلق فوق الرؤوس، الممر أُغلق بفعل فاعل، أصبح كالقفص، سجن يُحيط به ويُفسد المشهد المثالي في رأسه، يبدو أنه لن يرى العُشب الأخضر قريبًا.

قُضبان السجن الحديدي تضيق وكأنها تعتصر جسده لتُهشم عظامه، نعيق الغُراب المؤذي لا يُقارن بأصوات إطلاق قنابل الغاز المُسيل للدموع، الأصوات كانت مُرعبة تخلع القلوب، أدخنة القنابل تتصاعد وتنتشر وهو يعجز عن مُبارحة سجنه، لا مجال للهرب لا طريق للفرار، نسج الموت خيوطه على جميع الأبواب، التي قد تؤدي للحياة، مشهد جنة العُشب الأخضر يختفي تمامًا من رأسه ويتبدل بمشهد حرق أحدهم حيًا، رُبما سيُحرق هُنا هو الآخر، في هذا القفص الحديدي.

وضع يده على رامي السهم ذي الزي الفرعوني المرسوم على قميصه، وكأنه يستنجد به، يحاول قدر المُستطاع أن يتنفس ولكن الأمر لم يكن سهلًا على الإطلاق، الأدخنة ما زالت تتصاعد وتتصاعد معها أرواح من حوله، شعر بيد الموت تلتف حول عُنقه، لم يعد يحتمل الوقوف، صوت ارتطام جسده بالأرض رُبما كان عاليًا ولكن أصوات الاستغاثة المُتشابكة مع نعيق غربان الموت كانت أعلى بكُل تأكيد، رفع رأسه للسماء التي كانت تختفي كُلما مر أحدهم فوق جسده غير القادر على الحركة، أحكم الموت قبضته على رقبته ولم يعد هو قادرًا على المقاومة أكثر من ذلك.

لم يعد يشعر بيد الموت حول رقبته ربما لأنها كانت قد أنهت عملها هُنا بالفعل، نظر إلى السماء وهو يقترب منها أكثر وأكثر وارتسمت الابتسامة على وجهه تلقائيًا عندما رآها  وقد تحولت بأكملها لذلك العُشب الأخضر من جديد، وقبل أن تسكن القُنبلة الأخيرة بجانب رأسه كانت روحه قد تبعت من سبقوه واستبقت من تبعوه إلى السماء.

سلامٌ عَلَيْك، على ذكرك وعلى ذكراك وعلى ما تبقى فينا من أمل. سلامٌ على روحك وعلى أعيننا حين نراك وعلى من استبقك وعلى الشهيد المُحتمل.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s